اسماعيل بن محمد القونوي
309
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
هذا الاحتمال الواهي لمن له الذهن العالي ولعل عدم التعرض لمثل هذه الترهات في الذروة العليا في التقريرات والتحقيقات . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 194 ] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) قوله : ( تقرير لحقية القصص ) بيان ارتباطه بما قبله . قوله : ( وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد عليه الصلاة والسّلام ) إشارة إلى أن الضمير وأنه للقرآن لحضوره في الأذهان « 1 » ولظهوره من البيان . قوله : ( فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من اللّه تعالى ) تعليل لهما أو تعليل للأخير فقط فإن إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته بحيث يعجز البشر عن إتيان مثله ولظهوره لم يذكره لكن مقتضى السوق كونه تعليلا لهما وكونه معجزا من حيث اشتماله على الإخبار عن المغيبات لا ينافي كونه معجزا بكونه في الذروة العليا من البلاغة كما هو المختار . قوله : ( والقلب إن أراد به الروح فذاك وإن أراد به العضو فتخصيصه لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على ثم ينتقل منه إلى الروح القلب لما بينهما من التعلق ثم تتصعد قوله : تقرير لحقية تلك القصص أي قوله عز من قائل : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 192 ] الآية تقرير وتحقيق لحقية تلك القصص السبع المذكورة الضمير في أنه عائد إلى التنزيل أي وإن هذا التنزيل يعني ما نزل من هذه القصص والآيات والمراد بالتنزيل المنزل والباء في به للتعدية قوله فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها تعليل لكونه مقررا لحقية القصص وتنبيها على اعجاز القرآن ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أي فإن الإخبار عن تلك القصص على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقصان عما وقع من أمي لم يقرأ ولم يتحفظها من الكتب ولم يتعلمها من أحد لا يكون إلا بالوحي من اللّه تعالى ليس من عنده صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : فهو متعلق بنزل أي قوله بلسان متعلق بنزل في نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [ الشعراء : 193 ] فالمعنى نزله باللسان العربي لتنذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي لتجافوا عنه ولقالوا ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الانذار به وهذا الوجه يفيد أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهمه قومك ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك لأنك تسمع أصوات حروف لا تفهم معانيها ولا تحفظها وقد يكون الرجل عارفا بلغات كثيرة فإذا تكلم آخر مخاطبا إياه بلغة هو نشأ عليها وتطبع بها لم يكن قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه ولا يكاد يفطن الألفاظ كيف جرت وإن تكلم وخاطبه بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا في معرفتها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها ولم يكن قلبه أولا إلى المعاني فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي .
--> ( 1 ) كأنه لشهرة شأنه وفرط تعينه لم يحتج إلى ذكره السابق وهذا يدل على فخامة شأنه .